In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

     Français

من المعالم التاريخية الحربية رباط ابن ياسين

د. أحمد مولود ولد أيدّه

مقدمة

ترتبط معالم العمارة الحربية بالتاريخين السياسي والعسكري للدولة الإسلامية من فتوحات وحروب ومعارك وقد تفنّن المسلمون في إنشاء تحصيناتهم الدفاعية لحماية الدولة من هجمات الأعداء، فبنوا على امتداد الحدود تحصيناتٍ أطلقوا عليها اسم الرباط (تجمع على رباطات) وهي أبنية عسكرية تُمثّل خطّوط دفاع متقدمة على طول السواحل لمواجهة أيّ عدوانٍ خارجيٍ قادم من وراء البحر. ويبدو أن فكرة الرباط مستوحاة من الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.) وفي الاصطلاح فإن المرابطة تعني إعداد الخيل وربطها وملازمة ثغر العدو تأهبا للجهاد ثم أطلقت التسمية على المعالم الحربية التي تأوي المرابطين.

ويرجع تاريخ إنشاء أولى الرباطات إلى القرنين 2-3ه/8-9م فقد ذكر اليعقوبي أن الخليفة العباسي هارون الرشيد شيد ثمانية ثغور وبنى دورا للمرابطين. كانت الرباطات حصونا وأبراجا مراقبة ومراكز اتصال فقد أشار المقدسي إلى دور هذه العمائر في إرسال الأخبار الملحة إلى الحواضر ودورها في الإنذار المبكر لدى تعرض البلاد للخطر وذكر أنه إذا كان الوقت ليلا أوقدوا منارة الرباط وإن كان نهارا دخنوا.

وقد شيدت الرباطات وفق نسق معماري متماثل، إذ يغلب على تخطيطها الشكل المستطيل غالبا وهي ذات جدران حجرية منتظمة ومزدوجة ومزودة بأبراج ركنية وضلعية وللرباط مدخل واحد ويتألف من طابقان أما في الداخل فنجد فناء واسع تحيط به غرف لسكن الجنود المرابطين ومسجد ومرافق عامة.

لقد اندثرت جل هذه المعالم الحربية ولم يبق اليوم قائما من الرباطات الإسلامية سوى رباطان اثنان فقط هما: رباط المنستتير ورباط سوسة بالساحل التونسي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

رباط عبد الله بن ياسين

يعد رباط عبد الله بن ياسين من أشهر الأربطة التي شيدت في المغرب الإسلامي، وقد تحدثت بعض المصادر العربية في العصر الوسيط عن رباط بن ياسين بوصفه من أول المعالم الحربية التي أقامها المرابطون بصحرائهم قبل توسعهم إلى الشمال وأول من تحدث عنه أبو عبيد الله البكري (القرن 5هـ 11م) من خلال الإشارة التالية: "... وكان الذي نهج ذلك فيهم ودعا الناس إلى الرباط ودعوة الحق عبد الله بن ياسين..." كما أشار هذا المؤلف أيضا إلى الرباط من خلال حديثة عن مبالغة عبد الله بن ياسين في الصرامة بإقامته الحدود على من أسلم من صنهاجة، تكفيرا لما ارتكبوه من آثام قبل إسلامهم! وذلك في قوله: "... وهكذا يفعلون بمن تغلبوا عليه وأدخلوه في رباطهم". ولا يخفى في هذا السياق أن مرجعية الرباط لدى بن ياسين في بداياته الأولى استمدت من منهج شيخه وكاك بن زللو اللمطي، الذي كان يقيم في رباط له جنوبي السوس بالمغرب الأقصى، يركز في منهجه على قيم الزهد ومجاهدة النفس، ربما يكون هذا الخيار نتيجة لموقع هذا الرباط في طرف قصي بمنأى عن الثغور، ويبدو أن بن ياسين خيّر إخضاع المرابطين منذ البداية لذات الفلسفة إلا أن تسارع وتيرة الأحداث داخل رباطه عجّل من انتقال المرابطين من مرحلة الدعوة مباشرة إلى الأطوار الحربية.

ويمدنا ابن أبي زرع (القرن 7هـ 13م) بمعلومات أكثر تفصيلا من البكري عن رباط بن ياسين، إذ يرجع فكرة اقتراح موقع الرباط ليحيى بن إبراهيم الكدالي عندما قال لابن ياسين: "...هنا في بلادنا جزيرة في البحر إذا انحسر البحر دخلنا إليها على أقدامنا وإذا امتلأ دخلناها في الزوارق وفيها الحلال المحض الذي لاشك فيه من أشجار البرية وصيد البحر وأصناف الطير والوحش والحوت " وقد أضاف ابن أبي زرع أن ابن ياسين ويحيى بن إبراهيم الكدالي دخلا الجزيرة مع سبعة نفر من كدالة "فابتنيا بها رابطة" .

وخلافا لما ذهب إليه ابن أبي زرع فإن ابن خلدون (القرن 8هـ 14م) يرى أن القائد الذي رابط مع ابن ياسين هو يحيى بن عمر اللمتوني: "... ثم هلك يحيى بن إبراهيم وافترق أمرهم واطرحوا عبد الله بن ياسين واستصعبوا علمه وتركوا الأخذ عنه لما تجشموا منه من مشاق التكليف، فأعرض عنهم وترهب وتنسك معه يحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة وأخوه أبو بكر".

ويصف لنا ابن خلدون الموقع الذي احتضن الرباط بقول: "... فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها، ضحضاحا في الصيف وغمرا في الشتاء، فتعود جزرا منقطعة، فدخلوا في غياضها منقطعين للعبادة، وتسامع الناس بهم من في قلبه مثقال حبة من خير، فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم..."

ورغم اتفاق ابن أبي زرع وابن خلدون على الموضع البحري لرباط ابن ياسين- وهي خاصية يشترك فيها مع باقي الرباطات الإسلامية- غير أن الغموض مازال يكتنف تحديد موقعه، نتيجة لعدم العثور على شواهد أثرية معمارية تدل على وجوده، ولذلك لم يتفق الباحثون على موقع واحد؛ إذ رجح المؤرخ البرازيلي باولو فرناندو دو مارياس فارياس اعتمادا على إشارة بن أبي زرع أن يكون موقع الرباط بالمحيط الأطلسي، وطرح احتمال أن تكون جزيرة تيدرة هي الموضع الذي أقيم فيه الرباط، وذلك استنادا إلى عدة إحداثيات وردت ضمن المصادر، منها وجود معبر سالك بينها وبين اليابسة تغمره المياه في فصل الشتاء وتنحسر عنه صيفا. ولعل أهم الإحداثيات التي ساقها ابن أبي زرع تماثلا مع موضع جزيرة تيدرة ما ذكره عن توفر الحلال المحض بالجزيرة من صيد البحر وأصناف الطير والوحش والحوت، مما لم يزل ينطبق على جزيزة تيدره ويمنح هذه الفرضية –حسب رأينا- قبولا أكبر لدى جمهور الدارسين. بيد أن المهمات الاستكشافية التي قام بها المؤرخ البرازيلي إلى هذه الجزيرة خلال مهمتين سنة 1965 رفقة الأثري الفرنسي ه.ج.هيكَو والمؤرخ المختار ولد حامد، لم تعثر على أي أثر معماري لرباط بن ياسين.

بينما اعتبر باحثون آخرون أن مصطلح "بحر النيل" الذي ورد ضمن إشارة ابن خلدون إلى رباط ابن ياسين يعني أن موقعه كان بنهر السنغال. وقد استعرض المؤرخ الناني ولد الحسين جملة من المعطيات لدعم هذا الافتراض أولها أن موقع الرباط يكون في العادة على الثغور بين المسلمين والمجموعات التي ستكون هدفا للجهاد، ولا يكون وسط الأعداء، ولذلك فإن اختيار مصب نهر السنغال يوفر للمرابطين الحماية من طرف الممالك الإسلامية السودانية على الضفة اليسرى للنهر، خاصة مملكة تكرور، فقد ذكر ابن أبي زرع أن ابن ياسين كان ينوي الهجرة إلى أولئك السودان والاستقرار بينهم لأنهم مسلمون، وذلك عند رفض الملثمين لدعوته في البداية، إلا أن يحيى بن إبراهيم الكدالي أقنعه بالمرابطة في الجزيرة المذكورة.

ولذلك تبدو فرضية موقع الرباط على ضفة نهر السنغال أكثر قبولا لدى الدكتور الناني ولد الحسين، خصوصا وأن بعض المناطق الواقعة في مصبه تتكون فيها جزر ظرفية أثناء مواسم فيضاناته تنطبق أوصافها مع ما ذكره ابن خلدون بخصوص الجزيرة التي أقيم عليها رباط بن ياسين. ومما يدعم هذا الافتراض أيضا ما يراه البعض بخصوص تسمية مدينة أندر السنغالية الحالية والتي ليست سوى تحريف لفظي من طرف السودانيين لدار المرابطين نسبة إلى رباط عبد الله بن ياسين.

الخاتمة

إن الإخفاق في العثور على شواهد أثرية- معمارية بالموقعين المفترضين لرباط ابن ياسين، دفع بعض الدارسين إلى اعتبار أن المرابطة لم تحدث في موقع معين، وإنما قامت على سلوك مبناه الانزواء لمجاهدة النفس، إلا أن تواتر المصادر على وجود الرباط بجزيرة يؤكد الحيز المكاني للرباط، والواقع أن عدة عوامل موضوعية يمكن أن تفسر غياب الشواهد الأثرية في المواقع المفترضة لوجود الرباط أولها الطبيعة البدوية للإنسان الصحراوي ولعمرانه الهش خلال تلك الفترة من العصر الوسيط، وثانيها الفترة القصيرة لعمر الرباط والمحددة من طرف المصادر بثلاثة أشهر فقط. بيد أن رباط ابن ياسين استطاع أن يحقق خلال تلك الفترة الوجيزة جل أهدافه إذ استقطب ألف مرابط تم إعدادهم دينيا وتكوينهم عسكريا للسيطرة على الصحراء وإقامة دولة المرابطين التي استوحت اسمها من الرباط.

1- المصادر والمراجع العربية

- البكري (أبو عبيد الله)، المسالك والممالك :المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، الجزائر، 1857، 189 صفحة.

- ابن أبي زرع (أبو الحسن)، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، الرباط، 1972، 517 صفحة.

- ابن خلدون (عبد الرحمن)، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر والعجم ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت، 1978، المجلد السادس.

- قاجة (جمعة أحمد) ، موسوعة العمارة الإسلامية، بيروت، 2001، 686 صفحة.

- اليعقوبي (أحمد بن واضح )، التاريخ، بيروت ، دار صادر ( د.ت ) ، جزأين في 515 صفحة.

- ولد الحسين (الناني )، صحراء الملثمين وعلاقاتها بشمال وغرب إفريقيا، بيروت ، 2000، 332 صفحة.

2- المراجع الأجنبية

- Hugot (H.J), « Mission dans l’île de Tidra », Bull.de l’IFAN, série B, Tome XXVIII, n°1-2, 1966, p.555-564 ; « Deuxième mission dans l’île de Tidra », Bull.de l’IFAN, série B, Tome XXIII, n°3-4, 1966, p.1019-1023.

- Marçais (Georges), « Note sur les ribats en berbérie », Mélanges René Basset, PARIS, Ernest Leroux, Tome II, 1925, p. 397-430, illustrés.

- Marçais (Georges), L’architecture musulmane d’occident, Paris, 1955, 539 pages, illustrés.

- Morias Farias (P.F.de), « The Almoravids: some questions… », Bull.de l’IFAN, série B, Tome XXIX, p.821-841.


د. أحمد مولود ولد أيده

("مجلة أخبار الجيش" العدد 33)