In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

     Français

الإعلام الوطني والحرب ضد الجريمة المنظمة

شهد عالمنا المعاصر العديد من التهديدات المتداخلة التي تسعى إلى خلق مناخ عام من الخوف والإرهاب، بهدف تحقيق جملة من الأهداف عن طريق الإكراه، منها على سبيل المثال لا الحصر تغيير الأولويات السياسية للحكومات، إعادة صياغة الضمير الجمعي وإقصاء فكر الجماعة، بالإضافة إلى تحقيق منافع شخصية.

وفي سبيل سبر أغوار هذا العنف الذي يجتاج دول العالم، قيم بدراسات معمقة بغية الوصول إلى تعريف جامع مانع للإرهاب. ورغم الإجتهادات الأكادمية في هذا المجال، إلا أن الغموض ظل يخيم على نتائج تلك الدراسات، حيث ذهب بعض الباحثين إلى القول إن الإرهاب هو "استخدام متعمد للعنف بهدف إحداث خسائر بشرية، معنوية ومادية في مجتمع معين، والإرهابي هو ذلك الشخص الذي يستخدم العنف ليفرض أهدافه، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو عقائدية. وغالبا ما يكون العنف موجها ضد سياسات الدولة أو الحكومة، سواء من الداخل أو الخارج.".

إلا أن هذا التعريف لا يعدو أن يكون تعبيرا عن استنتاج خاص خرج به بعض الباحثين، في حين يقوم الآخر الذي يمارس العنف لإحداث الضرر وتغيير الواقع على الأرض لتبرير ذلك بهالة من الشعارات البراقة والنداءات الخلابة، التي تدقدق العواطف وتلعب بالمشاعر، لإقناع الآخرين بصحة ومشروعية هذا التوجه. إلا أن هذين التعريفين لم يحولا دون ظهور نظرة توفيقية تضع في الحسبان الأسباب والنتائج، فهي تجيز الدفاع عن النفس على أن يتم ذلك وفقا لضوابط ومحاذير، إلا أن التسييس والأهواء حالا دون التحديد والتعريف والتدقيق.

ورغم كل ما قيل ويقال حول الموضوع، يظل التعريف الوطني لمكافحة الإرهاب من أكثر التعريفات دقة للإرهاب.

وقد ورد هذا التعريف في مستهل قانون مكافحة الإرهاب، الذي ينص على أن "الإرهاب يمجد العنف وعدم التسامح. كما يهدد استقرار الدولة و المؤسسات، وأمن الأشخاص والممتلكات ويشكل خطرا على المصالح الحيوية للوطن".

واستلهاما للتعاليم والقيم الروحية للإسلام وتمشيا مع المبادئ الديمقراطية المنصوص عليها في الدستور، يضمن هذا القانون حق المجتمع في:

ـ العيش في السلم والأمان والسكينة، بعيدا عن كل ما من شأنه المساس باستقراره أو زعزعة مؤسساته:

ـ رفض كل أشكال الإنحراف والعنف والتعصب والتفرقة العنصرية والإرهاب، التي تهدد سلم واستقرار المجتمع.

إن الدولة، بوصفها تجسيدا للكيان الوطني، تتحمل كامل المسؤولية في الإسهام في مجهود المجتمع الدولي في مجال مكافحة كل أشكال الإرهاب، وخطر مصادر تمويله، في إطار الاتفاقيات الدولية، والإقليمية والثنائية التي صادقت عليها الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

وفي ظل هذا التبيان وتكثيف الأعمال الإرهابية التي طبعت العالم بطابعها المدمر، خيم على الجميع شبح ما يعرف بالحرب على الإرهاب، التي بدت، بفعل التهويل الإعلامي كما لو أنها حرب الكل على الكل.

إلا أن الإرهاب يظل محصورا ناقص الانتشار لولا التغطية الإعلامية الإخبارية من قبل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ولنا أن نسأل ماهو الدور المنتظر من الإعلام الوطني في مواجهة الإرهاب؟

1 ـ الدور المنتظر من الإعلام الوطني في مواجهة الإرهاب:

يمكن القول إن المادة الإعلامية نتاج عقل بشري واع ومسؤول، يحدوه الأمل بالمشاركة بإيجابية في الحياة البشرية السائرة إلى الأمام، من خلال القيام بدور فعال في صياغة العقل البشري وتوجيه الأفراد نحو المثل والقيم التي تتماشى مع القوانين والأعراف، والتصدي بحزم لكل ما من شأنه تهديد السلم الأهلي وإشاعة ثقافة العنف الفوضوي، قد يقول قائل إن الرغبة في السبق الصحفي والإثارة أمور من بين أخرى قد تدفع العامل في الحقل الإعلامي إلى أن يعمل وفق ما تمليه عليه "طموحاته" ناسيا أو متناسيا أن الإعلام ينبغي أن يسهم في تعرية الإرهاب وإظهاره بأبعاده وأحجامه المختلفة، وأن يسهم في تقوية المعسكر المناهض للإرهاب، خاصة إذا كان هذا المعسكر هو الوطن الذي يكتوي بنار الإرهاب.

2 ـ سقف الحرية الإعلامية:

الحرية مكسب مهم يتيح للإعلامي أن يعمل دون خوف أو وجل وأن يتناول الخبر دون إملاءات من أحد، إلا أن هذه الحرية ينبغي للإعلامي أن يراعي أثناء ممارستها العملية مجموعة من القيود التي ينبغي للمادة الإعلامية الخضوع لها، حتى لا تتحول إلى التطاول والتجني على حرية الغير، فحريتكم تنتهي عند ما تبدأ حريات الآخرين. فأثناء معالجة مواضيع تعنى بعقيدة قوم أو وحدتهم أو أمنهم، ينبغي للكلام أن يخضع للمعالجة والتمحيص، فالصحفي في مجتمعه ليس غريبا بل هو ابن وأخ يعيش في ثنايا المجتمع، الأمر الذي قد يسهل عليه الحصول على معلومات أمنية قد تطال تحرك وحدة عسكرية في اتجاه معين، فنشر هذا الخبر بحد ذاته قد يسهم في إلحاق الضرر بأفراد هذه التشكلة اللذين قد يباغتون في كمين من قبل العدو المتربص أثناء تنقلهم، نتيجة استغلاله هذه المعلومة، ألا يعتبر أفراد هذه التشلكلة مواطنين موريتانيين؟ ألا يحق لأهالي وعائلات أفراد هذه التشكلة مقاضاة هذا الشطط في استخدام هامش الحرية هذا؟

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن المادة الثالثة من القانون الوطني لمكافحة الإرهاب تنص على أن العمل التالي يعد إرهابا ويد القانون قد تطال مرتكبه: "توفير الأسلحة أوالمتفجرات أو الذخائر أو المواد الأخرى، أو معدات مماثلة لصالح شخص أو تجمع أو تفاهم له علاقة بجرائم الإرهاب، أو وضع المهارات أو الخبرات في خدمتهم،أو توفير، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، معلومات لمساعدتهم على ارتكاب جريمة ارهابية"، لذا على الإعلامي وهو يمارس مهمته النبيلة أن يضع في الحسبان الأثر الجانبي الذي يمكن أن يتأتى من نشر خبر "عادي"، يتضمن تفاصيل قد تتسبب في ضرر بالغ يطال جنودنا وهم يمارسون واجبهم المقدس في الذود عن الأرض والعرض، إن عليه باستمرار أن يتمثل الضوابط المعنوية والأخلاقية التي سوف يحاسبه ضميره الوطني عليها قبل القانون إن هو افرط في ممارسة حقه في "الإخبار" بكل شيء.

بناء على هذه المعالجة المقتضبة للعلاقات بين الإعلام والإرهاب يمكننا القول إن الإعلام سلاح ذو حدين، يمكن توظيفه في خدمة الأمن والأمان، دون أن يخل ذلك بالعمل الصحفي، في حين يمكن استخدامه عن وعي أو غير وعي في تدمير البشرية وإشاعة جو ملؤه الكراهية والعداء بين مكونات الشعب الواحد بدعوى حرية الإعلام. لذا ليس غريبا أن تسن قوانين مصاحبة لهذه الحرية بل الغريب أن لا تجد تلك القوانين آذانا صاغية في أوساط الإعلامين.

الرائد محمد الأمين ولد يمبابه

التاريخ 2012/3/01