In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

     Français

الصراع في أفريقيا و عمليات حفظ السلام

 

 

بعيد انتهائي من مهمة سياسية دامت سنتين في إحدى أصعب عمليات حفظ السلام في العالم و أكثرها تعقيدا، و في يوم شتوي ساطع من أيام العام 2008، و بينما أنا جالس مع أحدهم أمام مقهى على ضفاف نهر الدانوب ببودابست ، إذ ربتت على كتفي امرأة مجرية بلغت من الكبر عتيا و قالت: أحب أفريقيا، سألتها بعد أن استأذنت للجلوس كيف عرفت أفريقيا؟ قالت: إن عهدي بها أيام الحرب بداية الأربعينيات من القرن المنصرم، أمضيت فيها شهر العسل مع زوجي النمساوي... ثم استرسلت في حديثها الغريب عن تلك الأيام الخوالي و بتأثر لم تقو عليه... و أخيرا ابتسمت و قالت و هي تهم بالانصراف: أحب أفريقيا كثيرا و لا أنسى أبدا حوامة طيور تدور هناك في كبد السماء وصراعا شرسا بين فيلة على أرض صلبة داكنة و غبارا متطايرا هناك في أفق المغيب...  لم تدر السيدة المجرية عندما ودعتنا وهي تلملم ذكرياتها أن الصراع  لا يزال محتدما على تلك الأرض الصلبة الداكنة... بين قابيل و هابيل.

أفريقيا الآلام و الآمال:   لقد دخلت أفريقيا، بعد خلاصها من حروب التحرر من نير العبودية و الاستعمار، في سلسلة من التغيرات الاجتماعية العنيفة و الانقلابات الدموية المتلاحقة تجاوزت 80 انقلابا عسكريا نهاية القرن العشرين. و تساقط  المزيد من البلدان الأفريقية فريسة لحرب أهلية طاحنة و تفكك عنيف للنظام الاجتماعي و مشاكل أخرى عميقة مرتبطة بالبنية الاقتصادية و السياسية و الثقافية ، حتى ساد الانطباع أنها قارة في حالة حرب دائمة مع ذاتها. و لأنها معقدة هي صراعاتها التي تنشب هنا و هناك على طول الخريطة و عرضها و متنوعة الجذور بشكل يحول غالبا دون فهم حصيف لطبيعتها وبالتالي دون التعامل معها بشكل فعال استباقا و منعا و احتواء، فقد تعاظمت الحاجة إلى آلية أفريقية مناسبة لمنع الأزمات و إدارتها و السيطرة على النزاعات التي لا تتوقف إلا لتعود و التي جلبت أصنافا من البؤس لا تحصى و أعاقت من مشاريع التنمية ما لا يقدر بثمن و عكرت صفو السلم و الأمن على المستوى الدولي.

غير أن التحولات الإيجابية بقيت طموحات مشروعة لشعوب القارة، خاصة مع تحول المحفل الأفريقي  قبيل مطلع القرن ال21 من منظمة وحدة أفريقية ركزت في توجهاتها الأساسية على التخلص من الاستعمار الأجنبي و القضاء على العنصرية، إلى اتحاد أفريقي يولي الأهمية القصوى للتكامل الأفريقي من خلال السعي وراء تحقيق السلم و الأمن و الإصلاحات السياسية و التنموية التي تخلق الفضاء الحقيقي للمشاركة الفعالة لمختلف الفئات الاجتماعية و توفر البيئة المناسبة لبسط الأمن في مختلف أنحاء القارة عن طريق دبلوماسية وقائية ومساعي حميدة للمصالحة تقوم بها نخبة أفريقية من حكماء و مثقفين، أو اعتمادا على عمليات حفظ سلام  تضطلع بها قوة أفريقية مشتركة أو مختلطة، قد لا تنقصها - على الأقل - معرفة الأسباب الكامنة وراء التوتر بمقتضى قربها من طبيعة المجتمع الذي يدور الصراع في فلكه.

عمليات حفظ السلام الأممية: إن التحرك في عمل مشترك، يسعى لاستتباب الأمن و الاستقرار و لتوفير ظروف مناسبة لبناء السلام في المناطق الساخنة في العالم، مهمة سعت إليها المنظومة الدولية منذ ما يزيد عن 65 سنة، فأنشأت لذلك أداة ديناميكية فريدة تضطلع بمساعدة البلدان التي مزقتها الصراعات و ألمت بها الكوارث، ألا وهي عمليات حفظ السلام. و مع أن مفهوم حفظ السلام لم يذكر في ميثاق الأمم المتحدة بصريح العبارة إلا أنه تبلور بمرور الزمن و تكشفت أهميته استجابة لما تطلبته التوترات الأمنية في العديد من مناطق العالم و لما حصل من تطورات في العلاقات الدولية و انعكاس ذلك على الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في صون السلم و الأمن الدوليين. و لقد خضعت عمليات حفظ السلام لتغيرات جوهرية منذ قيامها، حيث توسعت عملياتها الميدانية و تحولت من بعثات تراقب وقف إطلاق النار و تؤدي مهام عسكرية بحتة إلى أخرى معقدة تشمل تثبيت الأوضاع على الأرض و حماية المدنيين و مراقبة حقوق الإنسان و دعم الجهود السياسية الرامية إلى حل الصراع بوسائل سلمية...إلخ.

و ظلت هذه الآلية الأممية منذ قيامها حتى اليوم - رغم تغير طبيعة الصراعات - تنشط في كل أرجاء العالم في محاولة منها لنشر الاستقرار وتعزيز السلام والأمن في المناطق الساخنة في العالم. و خاصة بلداننا الأفريقية حيث أنشأت الأمم المتحدة عمليات حفظ سلام كبيرة و معقدة في الصومال و اريتريا و أثيوبيا و إقليمي السودان و تشاد و بوروندي و ليبيريا و الكونغو و سيراليون و كوت ديفوار و مالي و غيرها.  حتى أنه من النادر أن تمر بقرية أفريقية، من شمال القارة إلى جنوبها، إلا و لفت انتباهك تحرك لذوي الخوذ الزرق، مما يدل على أن أفريقيا لا تزال بؤرة حقيقية للتوتر.

مساهمة الإتحاد الأفريقي: لقد حاول الاتحاد الأفريقي منذ نشأته أن ينهض بنصيبه من المسؤولية في إحراز تقدم ملموس في عمليات حفظ السلام ، فتم له أن أنشأ مجلسا للسلم والأمن لمنع النزاعات وإدارتها وتسويتها ضمانا للاستقرار و الصلح الاجتماعي و حسن الجوار ، وأقام عددا من الهياكل من بينها لجنة لأركان الحرب وقوة أفريقية جاهزة تقوم الجماعات الاقتصادية الإقليمية الخمس بتكملة جهودها و ذلك بإعداد ألوية دون إقليمية جاهزة  يتم نشرها في المكان و الزمان المناسبين كلما دعت الضرورة لذلك. كما تم وضع ترتيبات للتنسيق والتعاون الرسمي الدائم بينها ومفوضية الاتحاد الأفريقي، و تعاظم اهتمام الدول الأعضاء بقضايا السلام و الأمن الإقليميين، و تنامت قدراتها على المشاركة في عمليات حفظ سلام أممية. و قامت عمليات أفريقية لدعم السلام في أفريقيا على نحو يتلاءم مع ميثاق الأمم المتحدة ، وتمت أفرقة عدة عمليات و إن ظلت قلة المصادر التمويلية و سوء التدريب عاملين يعيقان سير تلك العمليات و يؤرقان ذوي القبعات الخضراء. لذلك تمت إقامة عدد من مراكز التدريب على عمليات دعم السلام  وفقا للمعايير الأممية  بما هو متاح من معدات التدريب. كما تم إنشاء نظام قائم على مؤشرات الدول الأعضاء لقدرات دعم السلام، و تضمن هذا النظام معلومات عن حجم و طبيعة القوة الجاهزة و مستوى تدريبها و تجهيزها و قدرتها على التدخل...إلخ.

 

التحديات : إن هذه الخطوات العملاقة التي خطاها الاتحاد الأفريقي في سبيل حفظ السلام لا تزال غير مقنعة، على الأقل بالنسبة لسكان المناطق الساخنة التي تستضيف تلك القوات الأفريقية المشتركة، حيث أن الأمم المتحدة - في قناعتهم - هي المنظمة الوحيدة التي يمكن أن تكون حيادية و ذات مصداقية و لها إمكانيات لا يمكن توفرها عند غيرها، و هو موقف بحكم إقصائيته لم يعد إيجابيا. بل أن غالبية الدول الأعضاء نفسها لا زالت تقدم رجلا و تؤخر أخرى فيما يخص المشاركة في هذه القوة، وغير مطمئنة على الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه القوات المشتركة في استتباب الأمن، مع أنها مقتنعة تماما بأن المسؤولية الكبرى في حل النزاعات الأفريقية يجب أن تتحملها القوات الأفريقية لحفظ السلام قبل غيرها من الجيوش التي قد تعيد إلى الأذهان حقبة الاستعمار البغيضة.

 

 إن الواقع الذي تعيشه القارة لا يزال مريرا، رغم عمليات حفظ السلام الدولية المنتشرة على الساحة الأفريقية على مدى عقود من الزمن. و رغم الجهود التي بذلت و الأموال التي أهدرت فإن تسوية النزاعات الأفريقية لا تزال عصية تبحث عن حلول، و لا يزال أمر ما كامن تحت السطح يزيدها تعقيدا و تشعبا.

المسؤولية الأفريقية: إن حفظ السلام عملية مكلفة للغاية، خاصة بالنسبة لمنظمة إقليمية تعتمد في الغالب على تمويلات أجنبية. غير أن أخذ زمام المبادرة في صنع السلام في أفريقيا أصبح مسؤولية تفرض نفسها على القادة الأفارقة و منظومتهم الإقليمية. كما أن توافر الإرادة السياسية أصبح ملحا لإقناع الرأي العام بضرورة هذا التحرك و التأكيد على أنه يتم في نطاق قانوني محض و يستند إلى مدونة للسلوك و ميثاق للعمل سليمين يحددان الدور و طبيعة التدخل و حدود التحرك.

و إذا لم تتول هذه الآلية عملية حفظ السلام، باعتبار مركزيتها  و قدرتها على فهم الوضع الأمني و رصده في عموم أفريقيا و على إلزام الدول الأعضاء بالأجندة التي وضعت للعملية، و لكفاءتها العالية في مجال التنسيق مع المجتمع الدولي، فإن الحالة المريرة ستزداد سوءا و سيصل التوتر الحد الذي يستحيل معه تسيير مخيمات المشردين و اللاجئين في السودان و تشاد و مالي و غيرها من مناطق الصراع. 

الفوائد: مما لا شك فيه أن هناك  فوائد جمة وراء تحمل هذه الآلية الأفريقية مسؤوليتها، حيث ستجنى القارة ثمارا حقيقية لا محالة في فترة قياسية ربما لا تزيد عن عقد واحد من الزمن، تنعكس إيجابا على الشعوب و على سائر المؤسسات الأفريقية المحلية و الإقليمية، بما فيها المؤسسة العسكرية التي سوف تستفيد كثيرا من العمل في إطار شراكات وثيقة ذات هدف إنساني نبيل يتمثل في إنقاذ القارة من الفوضى و القتل و التشريد. ولن يقتصر الأمر على اكتساب مهارات جديدة من خلال العمل المشترك مع قوات تنتمي لمدارس عسكرية متعددة و متباينة و اكتساب خبرة عالية في التعامل و التنسيق مع مختلف هيئات الإغاثة و المتضررين من الصراعات و ترتيبات إعادة بناء السلام، و لا على التدرب على الكيفية التي يتم بها التصرف في إدارة الأزمات و الطوارئ و الظروف غير الاعتيادية، و لا على اكتشاف القوات الأفريقية  لقدراتها و الإمكانات المتوفرة لديها و التي عادة ما تظهر حسب ما تقتضيه الظرفية، و لا على التعريف بها و تعزيز مركزها و تسويقها على المستوى الدولي، و إنما يتجاوز ذلك كله إلى الحد الذي يصبح فيه التكامل واقعا معاشا و يتم القضاء نهائيا على النزاعات المسلحة و يكتمل بناء الثقة و تعزيز الألفة بين هذه القوات و شعوبها و هي تقوم بمعالجة قضاياهم الأمنية الحقيقية و تنهض لنجدة سكان المناطق المتضررة و تقدم لهم الخدمات التي يتطلعون إليها فعلا من خلال عمليات حفظ سلام شامل.

لقد ارتفعت في الآونة الأخيرة  توقعات الشعوب الأفريقية التي تستضيف مهام حفظ السلام بفعل التوجهات  الطموحة لكل من الأمم المتحدة  و الاتحاد الأفريقي في حل النزاعات المسلحة، حيث تعاظمت المسؤوليات التي أصبحت تضطلع بها قوات حفظ السلام من حيث حماية المدنيين و بناء قدرات السلطات المحلية وسيادة القانون وإصلاح قطاع الأمن والمساعدة الإنسانية ونزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة دمج  المقاتلين على سبيل المثال لا الحصر، و تعاظم معها الإحساس بمخاطر الفوضى و القتال و التدمير و الإدراك لمعنى السلم و نعمة الاستقرار و التعمير. فهل ستكون المشاركة و الشراكة و التوجهات الجديدة للهيئتين فاتحة خير لإصلاح ذات البين في أفريقيا؟.