In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

إعلانــــــــات

قوة الردع

الردع هو"سياسة في مجال الدفاع، مفادها امتلاك دولة ما لما يكفيها من القوة العسكرية لكي تخيف بها عدوا محتملا، وتمنعه من الهجوم عليها..." (إحالة: تعريف قاموس المعاني).

تلك هي روح الردع وفلسفته...ولكن لنعد إلى البداية...

في البدء كانت الحرب...

شكلت الحرب ظاهرة لصيقة بالمجتمع البشري البدائي، فقد سعى الأشخاص، سواء كانوا أفرادا أو أعضاء منتظمين في جماعات معزولة إلى تأمين الحد الأدنى من وسائل الدفاع والحماية ضد العدوان والظلم، الذي يتعرضون له من طرف الجماعات البشرية المنافسة الأخرى، وحتى من قوى الطبيعة التي لا ترحم، أيام كان الإنسان عاجزا عن مواجهة هذه القوى.

ومع مرور الوقت، تحول هؤلاء الأشخاص الذين يستشعرون الخوف في أعماقهم إلى محاربين، يبحثون عن الأمان وراء سلسلة متواصلة من المعارك التي يشنونها ضد رؤيا مخيفة، هي رؤيا التمزق والضياع والإبادة.

      وهكذا نشأت الحرب، وأصبحت من أهم سمات المجتمع البدائي، وغدت فعلا منظما متعمدا، مقبولا اجتماعيا (إحالة: العودة لمجلة العربي).

 ولا شك أن هذا القبول الاجتماعي الذي اكتنف الحرب هو الذي زود المجموعات المحاربة بالقدرة والدافع للاستمرار في خوض غمار الحرب.

إن مرد هذا القبول الاجتماعي للحرب يرجع في حقيقة الأمر إلى ذلك السعي الدؤوب وراء هدف الحرب غير المقصود، ففي مجتمع يفتقر لسلطته مركزية قوية، ويعيش حالة من الفوضى العارمة وجدت الحرب كوسيلة لفرض الضوابط والقواعد التي يتبناها هذا المجتمع.

فالحرب من هذا المنظور تتضمن نهجا وظيفيا نفعيا، ربما لا يعيه المتحاربون لأنهم لا يحللون الوقائع وإنما يعيشونها. ويعتمد هذا النهج على الانتقام كرادع، فالمجموعة التي تتعرض للظلم أو الأذى تقرر القيام برد فعل مناسب لتلبية حاجة داخلية ملحة إلى الارتياح. وبذلك تحولت الحرب- بغير قصد- إلى فعل حاسم لإعادة التوازن إلى النظام الاجتماعي المختل، وإحدى أهم مكونات النظام القانوني في المجتمع البدائي(إحالة: العودة لمجلة العربي)..

لقد ظل مفهوم الردع كما هو، رغم تبدل الظروف والشخوص وتغير المحاربين، فخلف كل ذلك الإعداد والاستعداد، يكمن سعي خفي إلى تجنب الحرب والجنوح إلى السلم، ووقف الأعمال القتالية.

لكن هذا الهدف ظل يختلف من محارب إلى آخر، فقد كان هدف هانيبال إنهاء الحرب من خلال إبادة الرومان، وكذلك شأن الإسكندر الأكبر مع الفرس، وهتلر مع أعدائه... لكن الأمر اختلف مع ظهور الإسلام..

وأعدوا لهم....

كان المسلم، وبشهادة الكثير من المؤرخين أرحم فاتح عرفه العالم، فقد نشر المسلمون قيم العدل والمساواة والتآخي، وآلفوا بين شعوب وحضارات شتى لا يجمعها اليوم إلا الانتماء إلى هذا الدين، ورغم ذلك فقد كان الأمر الرباني في شأن الحرب واضحا:" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...". لكنها قوة لإرغام الناس على الخروج من الظلمات إلى النور، من ضلال الكفر إلى هدي الإسلام، والإرغام على الفعل الصالح سنة بشرية، حتى في جوهر فلسفة الحرية الغربية...لقد قالها جان جاك روسو": علينا أن نرغمهم لكي يصبحوا أحرارا..".

كان الردع أحد أهم مبادئ العقيدة العسكرية الإسلامية، فقد كان الاحتكام إلى السيف هو آخر الحلول، وكان لذلك دوره التاريخي المشهود في الفتوحات الإسلامية.

السلاح النووي...

    تعرف العالم على القوة التدميرية الاستثنائية لهذا السلاح من الرائحة المنبعثة من الأجساد الغضة، من مدينتي هيروشيما وناكازاكي، فجري السادس والثامن من أغسطس سنة1945، ورغم التحذير الذي وجهته الولايات المتحدة قبيل الهجوم إلى اليابان بأن السلاح الجديد غير تقليدي وسيتسبب في تدمير غير مسبوق للبشر والحجر، إلا أن أحدا لم يكن حينها قادرا على تصور الأثر الكارثي لهذا السلاح، وكان لا بد من خوض تجربة بطعم الدماء البشرية... وكان ما كان...

فتحت هذه الإبادة الباب على مصراعيه أمام البشرية، ليبدأ صراع محموم لاكتشاف سر الذرة، وامتلاك سلاح الردع الجديد، فنجح الاتحاد السوفيتي في خمسينيات القرن في إنجاز أول تفجير نووي، فأعاد بذلك التوازن المفقود الذي اختل لفترة وجيزة، "لتنعم" البشرية بتوازن رعب نووي، ساهم إلى حد بعيد في كبح جماح القوة الغاشمة ووقف الحروب الكبرى، لأن أيا من القطبين الرئيسيين لم يجرأ منذ ذلك التاريخ  وحتى الآن على إطلاق الرصاصة الأولى، فقد كان كل طرف يدرك في قرارة نفسه..أنها النهاية الحتمية للطرفين بل للبشرية جمعاء، ورغم أن انهيار الاتحاد السوفيتي قد جعل العالم يقف مذهولا على عتبة عصر الأحادية القطبية إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أثبتت  أن الأذى قد يصدر، ليس من دول، بل حتى من جماعات... أو ربما من أفراد معزولين...إنها الحرب اللانمطية في أوضح تجلياتها، لذلك أضافت الولايات المتحدة عنصرا جديدا إلى عقيدتها العسكرية هو مبدأ "الضربة الاستباقية".

الردع...الأصول والقواعد

الردع هو إحدى القواعد السلوكية والنفسية التي تحكم العلاقات، ليس بين الدول والجماعات بل حتى بين الأفراد، على اعتبار أنه يشتمل على مفهوم تفادي الأذى من الطرف الآخر، وثنيه عن الشروع في أي عمل عدائي.

ولتحقيق هذه الغاية "النبيلة" علينا أن ندرك حدود قوة الخصوم الحاليين بل وحتى المستقبليين، فعدو اليوم قد يصبح صديق الغد، وصديق اليوم قد يصبح عدو الغد، فلا ثوابت في السياسة، والحرب هي مجرد أداة من أدواة السياسة...

لكن هذه القوة قد لا تقتصر على القوة العسكرية المجردة، فالاقتصاد والصناعة والتكنلوجيا وحتى الإعلام أصبحت محددات أصيلة وحاسمة لحدود القوة اليوم.

لكن الأهم من كل ذلك هو قدرتنا على إلزام الخصم بالكف عن التفكير في المواجهة، من خلال استعراض ناجح للقوة، وهنا يجب أن نلم بأصول الدعاية الناجحة، ونمنحها الوقت والوسائل الكافية لإنجاز مهمتها.

إستراتيجية الردع لدى الجيش الموريتاني

شهدت بلادنا خلال العقود السابقة وخاصة بعد حرب الصحراء ما يشبه حالة نزع التسليح، وقد اتخذت هذه الحالة طابع السياسة الممنهجة والمتعمدة. وقد نجم عن هذا الواقع تراجع القدرات القتالية للقوات المسلحة الموريتانية وتدني مستواها العملياتي إلى أدنى الدرجات، ولا يمكن إغفال ما ينطوي عليه مثل هذا الوضع العسكري الهش من خطورة على أمن وسلامة البلاد.

لقد ترك هذا الوضع غير الطبيعي أثره المعنوي المدمر على نفسيات العسكريين، وقدراتهم الجسدية والمعنوية، وهو ما أدى إلى تدني المستوى العملياتي للوحدات المقاتلة، وبذلك أصبحت الحوزة الترابية للبلاد في خطر حقيقي...

وهكذا انتهزت عصابات الجريمة المنظمة هذا الفراغ الأمني، فبدأت في انتهاك حرمة أراضينا، وشكلت بذلك تهديدا جديا وغير مسبوق لأمن البلاد...

كانت العملية الأولى في لمغيطي على عمق 160 كلمترا، حيث اعتدوا على جنود آمنين فوق أرضهم، ليستشهد 17 جنديا من أفراد الجيش الوطني، وكانت العملية الثانية في الغلاوية في عمق ما يقارب 480 كلم استشهد فيها 3 جنود، في حين كانت العملية الثالثة سنة 2008 في تورين على بعد 600 كلم تقريبا في عمق البلاد، واستشهد فيها 12 جنديا وتم التمثيل بجثثهم.

كشفت هذه العمليات المتتالية عن جرأة متزايدة للمجموعات الإجرامية، حيث تم التوغل 160 كلم ثم 480 كلم وأخيرا 600 كلم، بال إن الأخطر من كل ذلك هو التغير النوعي في أهداف العدو، فهو كان ينوي خلال عملية تورين مهاجمة أهداف صناعية  في الشمال وضرب العصب الصناعي الحيوي للبلاد...

هنا، وضع الجيش الوطني الموريتاني، مدعوما في ذلك بإرادة سياسية قوية سياسة دفاعية وليست هجومية كما يعتقد الكثيرون، لكنها سياسة قائمة على استراتيجية عسكرية تتلاءم مع الخصائص الجغرافية لميدان المعركة الذي يتميز بالاتساع والتصحر، وكان من اللازم التركيز على بناء جيش نوعي حرفي، وهو ما يقتضي مده بالأسلحة والمعدات التي ستمكنه من أداء مهامه، فعلى مستوى سلاح المشاة، تم استحداث تجمعات خاصة للتدخل، تتميز بالخصائص التالية:

-       القدرة على المناورة والحركة السريعة بسبب استخدامها لآليات خفيفة عابرة للصحراء.

-       لديها كثافة نارية كبيرة، وتمتلك أسلحة متطورة تتراوح ما بين الفردية والجماعية، بالإضافة إلى مضادات للدروع والطيران.

-       الاستقلالية اللوجستيكية، حيث تتوفر هذه الوحدات على احتياطي كاف من الإعاشة والذخيرة والوقود بما يمكنها من المناورة بصفة منعزلة، لأطول فترة ممكنة.

-       معرفة الميدان والقدرة على استخدام المسالك والطرق في أي عملية محتملة لتطويق العدو أو اعتراضه.

-       القدرة على نقل المعركة إلى معاقل العدو في ظرف قياسي والقيام بضربات استباقية لإجهاض مخططاته. وهي ميزة قتالية تؤمن لقواتنا المسلحة الخروج من هامش المناورة الضيق للحرب الدفاعية إلى الأخذ بزمام المبادرة العسكرية، وتوجيه مسار المعركة.

على مستوى سلاح الطيران:

 ـ في مجال العتاد: تم اقتناء طائرات مقاتلة فعالة قادرة على ضرب العدو في أية لحظة وبدقة متناهية،

ـ في مجال تكوين الأفراد: تم إنشاء مدرسة وطنية للطيران مهمتها الأساسية هي تكوين الطيارين المقاتلين والفنيين والعمل على تحسين خبراتهم بشكل مستمر، وهي خطوة جبارة في مجال تحقيق اكتفاء ذاتي في هذا المجال.

 على مستوى سلاح البحرية: تم تعزيز أسطولنا البحري، كما تم استحداث مشاة بحرية، قادرة على مطاردة العدو في عرض البحر وعلى اليابسة، لتعزيز السيطرة على مياهنا الإقليمية وخاصة الضفة

على مستوى المدفعية: تم تزويدها براجمات صواريخ فعالة وذات كثافة نارية هائلة

 

نتائج استراتيجية الردع الدفاعية الجديدة

النتيجة الأولى: هي أن الجيش الوطني الموريتاني أصبح اليوم يمتلك عناصر القوة المادية والمعنوية الرادعة، التي ستمكنه بدون شك من الاضطلاع بجدارة بالمهام النبيلة الموكلة إليه...

النتيجة الثانية: انحسار تام للنشاطات والعمليات الإجرامية على عموم التراب الوطني، ربما تمكن العدو من القيام بعملية انتحارية هنا أو هناك بفضل طبيعته اللانمطية التي تمكنه من التخفي والضرب خلسة ولكن بفضل الله وبحمده لم يفلح العدو حتى الآن في تنفيذ أي من مخططاته الإجرامية...

النتيجة الثالثة: أصبحت هذه القوة اليوم تشكل معطى استراتيجيا جديدا في المنطقة، يحسب له حسابه، لكنها ليست موجهة ضد أحد، بل إن هدفها الرئيسي هو خدمة وتعزيز فرص السلام والتنمية والتعاون في المنطقة، وردع أي عدو ينوي خوض مغامرة غير محسوبة، تلك هي روح السياسة الدفاعية الوطنية وجوهرها..