In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

إعلانــــــــات

القيادة والحرب

كتب سقراط يعرف القائد قائلا:" يعرف القائد كيف يؤمن لجنده الطعام ومختلف الضروريات اللازمة للحرب.. عليه أن يكون ذا خيال خلاق، يؤهله لوضع الخطط الفذه المبتكرة، ويجب أن يتمتع بالحاسة العملية الحيوية، التي لا بد منها للنجاح في تطبيق هذه الخطط....عليه أن يكون شديد الملاحظة، دائب النشاط، حاذقا، رؤوفا قاسيا، بسيطا وداهيه.. مسرفا وشحيحا، كريما ومقترا، عجولا ومتأنيا...". كان ذلك في فجر التاريخ العسكري، وفي العصر الزاهي للرمح والسيف والحربه..

ورغم أن تطورات كثيرة تقنية، علمية، اقتصادية واجتماعية، شهدتها البشرية منذ العصر اليوناني إلى اليوم، ورمت بظلالها على ساحة الحرب، ظل القائد هو محور الجهد وعصب المعركة، حتى في ظل القوة التدميرية الهائلة وغير المسبوقة لأسلحة الحرب الحديثة، ولنا في الأثر "مائة نعجة يقودها أسد خير من مائة من الأسود تقودها نعجه...".

عصامية القائد..

على القائد أن يبني نفسه بنفسه، أن يتشكل من صبره، من جلده وطموحه ومطالعته ودراسته، وخبرته وتجاربه، من نجاحه وفشله... كطائر الفينيق يجب أن ينبعث من انكساراته وأخطائه...بل وحتى من هزائمه...

من كل ذلك، يستمد أسس عصاميته وعناصر تميزه ونبوغه، إنه يحتاج إلى "الرأس الباردة" للانجلوساكسونيين، و"حاسة الممكن" لدى الفرنسيين... إن أشد ما يحتاجه القائد في الواقع هو شحنة الإيمان بالقضية، والقدرة على التضحية في سبيل هدف أسمى، ينمحي أمامه وجوده ذاته...

لكن عليه في كل الظروف أن يظل رابط الجأش، أن يقيس الأمور ويزن المعطيات الماثلة أمام عينيه بتأن، مهما علا الصخب وارتفع غبار المعركة، عليه باستمرار أن يزيل الغمامة ليتبين الأحداث، ويستنتج الحلول..."فالقيادة الناجحة نبوغ فطري ومواهب مكتسبة، إنها قدرة تتجلى بالقدرة على الابداع والابتكار، وباللياقة للزعامة".

تركيز الجهد

كان القادة العظام في التاريخ يتميزون بالقدرة على اقتناص اللحظة الملائمة للعمل، المستمدة من اللمحة الخاطفة، والتي تتجلى في الإحساس بما ينبغي القيام به، لغرض وحيد يركزون عليه، ولا بد أن يفي بالغرض، تطويق العدو، ضرب مركز قيادته أو جذبه إلى المصيده...

وتركيز الجهد هذا كفيل بمنح أولوية دنيا للمعطيات الأخرى، لأن تركيز الجهد هو الشرط الأول والأهم لنجاح العمل، لكن هذا التركيز ينبغي أن يشتمل على مبدأ هام وهو القدرة على مفاجأة العدو، من خلال تركيب حركات وأعمال لا يتوقعها، تهز ثقته في نفسه وفي قدراته وتربك مخططاته، ولا بد في ظل استغلال هذا العامل من أن يستمر التدهور في موقف العدو، إلى أن نصل إلى نقطة الذروة في انهياره، عندها يحق للقائد العبقري أن ينتظر، بثقة كبيرة لحظة السقوط المدوي لعدوه، لكن هذا المصير المحتوم للعدو مشروط باحتفاظ القائد بثقته بنفسه وتماسكه النفسي والمعنوي، مهما كانت مغريات التراجع أو الخذلان، وتلك لعمري معضلة كبرى، وتحد عظيم...

تراث لا يبلى..

بهر الزعيم الألماني هتلر العالم في الحرب العالمية الثانية بمفاجأة استراتيجية... فيالق دبابات البانزر، التي حطمت دون كبير عناء أعتى الخطوط الدفاعية في العالم، خط ماجينو الفرنسي، واخترقت بولندا على طريقة اختراق البيضة... فكان احتلال الدولتين في أسابيع...

تحمل فيالق الدبابات الألمانية الكثير من الخصائص القتالية لخيالة الإسكندر الأكبر في معركة كاكاميلا التاريخية، عندما وقف هذا القائد العظيم مشدوها أمام الجيش الفارسي الذي يفوق جيشه أضعافا مضاعفة، ليجد الحل في خيالته الثقيلة التي ضرب بها قلب الجيش الفارسي، حيث الملك داريوس، لينشطر الجيش الفارسي إلى شطرين ويفقد الملك الفارسي السيطرة، وتبدأ نهاية أكبر إمبراطورية في ذلك العهد... كذلك فعلت قيادة الأركان العامة الألمانية، عندما اعتمدت استراتيجية شل مراكز قيادة واتصالات العدو، بضربات خاطفة ومركزة ودقيقة...

لم يخف نابليون بونابارت يوما استلهامه لمناوراته وخططه العسكرية من القادة العسكريين العظام في التاريخ، بل إنه كان يتمنى أن يذكره التاريخ إلى جانبهم...

كانت معركة كاناي بقيادة هانيبال قبل أكثر من ألفي سنة، ملهمة للجنرال الأمريكي نورمان شوارسكوف في حرب الخليج الثانية، حيث اعتمد استراتيجية التطويق المزدوج ضد الفيالق العراقية.

هناك في الغرب اليوم من يدرس خطط خالد ابن الوليد، ويحتفي بعبقريته العسكرية كواحد من أعظم القادة في التاريخ... لقد أقاموا له نصبا تذكاريا في بعض الكليات العسكرية.

القائد ومرؤوسيه..

القائد هو صنيعة هيأته الاستشارية، أو أركانه، لهؤلاء الدور الأهم في اتخاذ القرارات الصائبة أو الخاطئة، خاصة في الحرب الحديثة، حيث يتلقى قائد مختلف الأسلحة سيلا من المعلومات، لن يجد الوقت الكافي لفرزها وتصنيفها بنفسه تحت ضغط الأولويات العسكرية.

لكن القائد يعد مسؤولا عن طبيعة أداء هؤلاء المرؤوسين، فهو من يختارهم بنفسه، وعليه أن يعرف كيف يبرز مواهبهم وقدراتهم، كل حسب تخصصه وملكاته.