In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

     Français

آزوكي: حاضرة ذات صبغة حربية

    تبرز أهمية آزوكَي في التاريخ الحضري بتميّزها عن نظيراتها من حواضر موريتانيا في العصر الوسيط بالوظيفة الحربية، ولئن عرفت منطقة الحوضين الشرقي والغربي بأنها موطن أقدم مدن القوافل التجارية بموريتانيا: كومبي صالح وأودغست ثم ولاته، نتيجة لموقع هذه المنطقة بمفترق جغرافي ومناخي وثقافي على التخوم بين منطقتي الصحراء والساحل السوداني مما بوأ حواضرها منزلة هامة في تيار المبادلات بين بلاد المغرب وبلاد السودان، غير أن إعمار آزوكَي منذ القرن 5ﻫ/11م من طرف المرابطين مهد لبداية ظهور مراكز عمرانية شمال غربي موريتانيا بمنطقة آدرار تطورت خلال القرون الموالية بظهور آبير وودان وتينيكَي ثم شنقيط فأطار وأوجفت...    

1 ـ الوظيفة الحربية

تقع أزوكَي في الشمال الغربي لموريتانيا بمنطقة آدرار على بعد 10 كيلومترات شمال غربي مدينة أطار، وقد عرفت منطقة آدرار تواجد الليبيين- البربر (Libyco-berbères) منذ العصر القديم، وهم الذين كانت صحراء الشمال تحت قبضتهم. وتعزو روايات تأسيس عدد من الحواضر آدرار ومن بينها أزوكَي إلى البافور الذين يرجح أنهم من أولئك أحفاد الليبيين-البربر، بينما يرى بعض الدارسين أن الليبيين-البربر هم أجداد الصنهاجيين الذين تواجدوا في هذه المنطقة منذ القِدم، ومهما يكن من أمر فقد ظلّ الطريق اللمتوني يربط بين مضارب قبيلة لمتونة الصنهاجية شمال وجنوب الصحراء؛ بين سوس وآدرار وآوكار ولم يخل هذا المسلك العتيق من الاستخدام لأغراض تجارية، قبل اكتسائه الصبغة العسكرية في القرن 5 ﻫ/11م مع توسع المرابطين شمالا، وإن كان قد أعيد استغلال هذا المسلك منذ بداية تجارة المسلمين مع بلاد السودان في القرن 2ﻫ/8 م، مما قد يفترض أنه منح موضع آزوكَي أهمية تجارية لوقوعها على هذا المسلك، قبل اتخاذها قاعدة حربية في القرن 5ﻫ/11م.

وتبقى الوظيفة الحربية هي مرتكز إعمار آزوكَي خلال العصر الوسيط، فقد ذكر أبو عبيد الله البكري أثناء حديثه عن توسع المرابطين شمالا أنّ عبد الله بن ياسين المرشد الديني لحركة لمرابطين أمر الأمير يحيى بن عمر أن يتحصّن بجبل لمتونة : جبل آدرار، وهو جبل منيع كثير الماء والكلأ (...) وهناك حصن يسمى أزكي حوله عشرون ألف نخلة كان بناه يانّوا بن عمر أخو يحيى بن عمر فصار يحيى في جبل لمتونة وذهب عبد الله بن ياسين إلى مدينة سجلماسة.

 ولا يخفى أن موقع آزوكَي وسط جبل لمتونـة (آدرار) كان يوفّر مستوى من التحصـين الطبيعـي بين كتلـتي تكَـل وانترازي الجبليتين، ويتوسط هذا الموضع سهل وادي تيارت وتتصل آزوكَي بمحيطها الخارجي عبر بوابتين : جنوبية شرقية  فم شور  وشمالية غربية  فم جول، ويوفّر الجرف الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 800 متر، بين باطن آدرار من الناحية الشمالية وسهل امساقه من الجنوب دور قلعة لمراقبة مدخل فم شور. لذلك يمكن اعتبار آزوكَي نموذجا لمدينة التل الحربية؛ إذ تنتخب الوظيفة الحربية عادة لمدنها مواقع معيّنة تدور كل شروطها حول مبدأ الإستراتيجية، فقد تقوم المدن الحربية على طرق الغزوات الرئيسية والفتحات الجبلية والبوابات وهي الخصائص التي تتوفر بامتياز في موضع آزوكَي بمدخل الصحراء على المسلك الغربي الرابط بين المغرب وبلاد السودان، وتؤكّد المقاربة الجغرافية للمدن على أن الموضع الأمثل لقيام المدن الحربية يكون عند حصول شذوذ في القاعدة الفيزيولوجية أو عند حدوث تناقض مورفولوجي محلي، كأن تقوم على تلّ أو جبل منفرد أو في المرتفعات المنعزلة وسط سهل منبسط، فيكون التلّ أو الجبل برجا ممتازا للمراقبة، يسهل منه الدفاع ويتعذّر الهجوم عليه، وهي خصائص تتوفّر في موضع آزوكَي، ولعلها كانت من بين دوافع اختيار المرابطين لموقعها.

2 ـ الوظيفة السياسية والتجارية

 لقد انتقلت آزوكَي إثر عودة الأمير أبو بكر بن عمر النهائية من المغرب إلى الصحراء سنة 463ﻫ/1071م من طور القاعدة الحربية لحركة المرابطين لتضطلع بوظيفة سياسية كعاصمة إقليمية للمرابطين بالصحراء، ويستشف من خلال وتوليته للفقيه أبو بكر بن محمد بن الحسن المرادي الحضرمي القضاء بها وتأليفه لفائدته كتاب الإشارة في أدب الإمارة يستشف من هذا أن الأمير أبو بكر كان يفكر في خلق كيان سياسي جديد في الصحراء مركزه بآزوكَي، غير أنه واجهته صراعات داخلية بين بطون صنهاجة  فضلا عن حروبه على الجبهة الجنوبية مع جيرانه السـودان التي راح ضحيتها مقتولا بسهم مسموم سنة 480 ﻫ/1087م، ولذلك لم يتحقق لمشروع الرجل بآزوكَي الوقت الكافي للبناء والتعمير، ولو أنه لو كانت كُتبت له حياة أطول من تلك التي عاشها في الكرّ والفرّ لكان ازدهار آزوكَي تحقق على يديه.

  غير أنّنا نفترض أيضا أن آزوكَي ربما اضطلعت بأدوار تجارية قبل القرن 5ﻫ/11م بحكم موقعها الجغرافي وقربها من الطريق اللمتوني العتيق، ومما يعزّز افتراض صبغتها التجارية ما يذهب إليه الجغرافيون المعاصرون من أن الوظيفة التجارية عامل حاسم في تحديد مواقع المدن ذات الوظائف الحربية، حيث تقوم تلك المدن على مسالك التجارة العظمى، كما يحقق مبدأ الانقطاع " Break-of bulk " في جغرافية المدن عنصرا يمكن أن يفترض أنه منح ربما موقع آزوكَي دورا هاما خصوصا مع ازدهار تجارة القوافل بين بلاد المغرب وبلاد السودان على المسلك الغربي؛ فحين تطول الطرق والمسافات يحدث انقطاع فيزيولوجي، وتتحتم الراحة في مراحل ونقاط التوقّف، مما يستدعي التوقف بحدود الرحلات الصحراوية في محطات القوافل. ويوفّر وجود الواحات والمياه العذبة بوادي تيارت بآزوكَي دافعا لحدوث انقطاع إذ تستريح القافلة به قبل مواصلة مسيرها، وهكذا، فإن الانقطاع الجغرافي يمكن أن يخلق من تلك المحطات نواة لحياة جماعية. وبالرغم من أن مصادرنا المكتوبة لا تعزو لآزوكَي وظائف تجارية إلاّ ابتداء من القرن 6 ﻫ/12 م من خلال ما ذكره الإدريسي أنها " هي أول مراقي الصحراء (...) وهي ليست بالكبيرة لكنها متحضرة (...) ومن أراد الدخول إلى بلاد سَلَي وتكرور وغانه من بلاد السودان فلا بد له من هذه المدينة " ويتضح من خلال هذه الإشارة أن آزوكَي غدت مرفأ تجاريا ومحطة هامة على المسلك الغربي للقوافل لوقوعها ضمن الفضاء السياسي والاقتصادي لدولة المرابطين الذي شهد رخاء كبيرا في تلك الفترة ؛ كما ذكر ابن أبي زرع أن الأمير أبا بكر بن عمر استقام له أمر بلاد الصحراء حتى جبل الذهب من بلاد السودان، وقد ضرب أبو بكر بن عمر بسجلماسة أول دينار ذهبي للمرابطين باسم الخليفة العباسي وباسمه أيضا.

المراجع المعتمدة

-  ابن أبي زرع، أبو الحسن علي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، الرباط، دار المنصور للطباعة، 1972 ، 517 صفحة.

- الإدريسي، أبو عبد الله الشريف، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، روما ـ نابولي، المعهد الجامعي للدراسات الشرقية، 1971، جزأين، 1090 صفحة.

- البكري، أبو عبيد الله، المسالك و الممالك : المغـرب في ذكـر إفريقيـة و المغـرب، نشـر : دي سـلان، الجزائـر ، المطبعـة الحكومية ، 1857 ، 189 صفحة.

-  حمدان، جمال، جغرافية المدن، القاهرة ، عالم الكتب،1977، 435 صفحة.

- ولد أيده، أحمد مولود، مدن موريتانيا الوسيطة، بحث شهادة الدراسات المعمقة في الآثار والتراث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2001، 230 صفحة.

-     Mauny,  Raymond, Tableau géographique de l’ouest africain au moyen-âge d’après les sources écrites, la tradition et l’archéologie, DAKAR, IFAN, 1961, 587 pages.