In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

إعلانــــــــات

الذكاء والحرب

التحرير

      كتب كارل فون كلاوزفيتز، أب الحرب الحديثة والشاهد الأكبر على الحروب النابليونية حول الحرب قائلا:"الحرب هي النشاط البشري الذي يشبه لعبة الورق.. ينطبق فن الحرب على قوى حية ومعنوية، فهو لا يستطيع أبدا أن يبلغ المطلق والمؤكد، إذ يبقى لدينا دائما هامش للحوادث العارضة، سواء في الأشياء الكبرى أو الصغرى...الحرب مجال للخطر... والصدفة... والشك....فالعنصر الرياضي المطلق للحرب لا يجد قاعدة مؤكدة تستند إليها حساباته المتعلقة بفن الحرب...".

        العنصر الرياضي... لنا إذن أن نستغل العلاقة الغريبة والملفتة التي استنتجها هذا المفكر العسكري بين فن الحرب وعلم الرياضيات، فنلتقط هذا العنصر المتغير، ونستنتج على الفور أن الحرب ظلت على مر التاريخ الميدان الواسع لتفتق وتصارع العبقريات العسكرية التي كان الذكاء عنوانها، رغم أن كلاوزفيتز يبادرنا، قبل أن نتيه في مجاهيل التحليل الرياضي المعقد بالقول إن الحرب هي... مجرد "أداة" من أدوات السياسة، والأداة بطبيعتها صماء، محايدة، مفعول بها، فهي لا تحمل أي معنى من معاني الذكاء... إنه يشدد على أن "علينا في كل الظروف اعتبار الحرب أداة سياسية، لا شيء مستقلا بحد ذاته، وبهذا يمكن أن نتحاشى التناقض مع كل تاريخ الحرب، وتكفي هذه الفكرة لأن نفتح أمامنا كتاب التاريخ الكبير، وتجعلنا نقدر تجاربه بشكل ذكي...".

ورغم هذا الموقف الفكري الوجيه، فإن هناك ثنائية أصيلة هي الذكاء والحرب، ظلت متجذرة وكامنة في الفعل القتالي، تحركه وتوجهه إلى حيث يريد الملهمون...يجب إذن أن نتخلص منذ البدء من صفة "الأداة" التي وصموا بها الحرب، لنتبين الحقيقة كما هي...هناك قادة عظام، يظهرون من حين لآخر، ليقتحموا مسرح الحرب، ويغيروا مجرى التاريخ، ويعيدون رسم خارطة العالم... لقد بنوا حضارات وهدموا أخرى... فقط لأنهم فهموا كيف يخوضون الحرب، ويوجهون الأحداث، بفضل قدرتهم الخارقة على استغلال لحظة ذكاء استثنائية...

ذروة الجهد

في ساحة المعركة علينا أن نوظف كل شيء، ونستثمر أي شيء، القوة المادية، والمعنوية، فهي لن تلبث أن تتحول إلى قوة مادية... علينا أن نقاتل بالعقيدة والفكرة والعاطفة والمشاعر، فبهذه الطريقة نصل إلى ذروة الفعل وقمة الاندفاع، ليصل الإثخان في العدو إلى مداه، إذ "على الجيشين المتحاربين، كعاملين متناقضين أن يفترسا بعضهما، دون رحمة، فهما كالماء والنار، عاملان لا يمكن أن يتوازنا أبدا، ولكنهما يعملان الواحد ضد الآخر، حتى يزول أحدهما...".

قديما... قديما جدا، قبل ستة آلاف عام، وضع المفكر الاستراتيجي الصيني تسون تزو شرط النصر في الحرب قائلا: "في الحرب ابدأ بوضع الخطط التي تضمن النصر، ثم قد جيشك إلى المعركة، إذا لم تبدأ بالخداع واعتمدت عوضا عنه على القوة الغاشمة فقط، فالنصر بذلك يصبح غير مؤكد"... هناك إذن خطط وخديعة...هي بالنتيجة عملية ذهنية، تعتمد على حدة الذكاء وسرعة البديهة...

ولنا في رسولنا الأعظم، عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة، فقد خاطبه الحباب بن المنذر يوم بدر قائلا: " يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحـرب والمكيدة ؟، قال رسول الله : " بل هو الرأي والحرب والمكيدة..."... أينما كانت الحرب، هناك دائما رأي ومكيدة، ذكاء وفطنة...حتى ولو تعلق الأمر بمواجهة بين خير مطلق وشر مطلق...

 

الذكاء في الحرب الحديثة

يجزم بعض النقاد العسكريين اليوم،  أن مكانة الفرد كعنصر حسم في المعركة الحديثة هي في تراجع، أمام الأعداد غير المعهودة للجيوش، والتسليح الفتاك والمدمر الذي لم يعد يفسح مجالا للمبادرة الشخصية، ثم إن الحرب الحديثة لم تعد عسكرية بحته، فهناك الحرب الاقتصادية والصناعية والالكترونية، وقد تشمل ساحة هذه الحرب دولا، بل وقارات كما هو شأن الحرب العالمية الثانية، واليوم نشهد حربا كونية، غير مسبوقة  ...

لم يعد مسموحا إذن للذكاء أن يلعب لعبته في ميدان المعركة، في ظل كل هذه العوامل التي تحاصر القرار العسكري وتسيره، بل وتؤثر بشكل مباشر على نتائج المعركة، فالأولوية إذن هي للتنفيذ الحرفي للمهمة العسكرية في حدود المكان والزمان والوسائل، في إطار منظومة ضخمة ومعقدة من الجيوش والتشكيلات، قد تتعدى قدرة الفرد على الإدراك والتصور، فلا مجال بعد اليوم لبناء الأمجاد وتسطير الملاحم ...

إنه عصر المنفذين، ولا مكان فيه للأبطال...إنهم بصدد إطفاء جذوة ظلت مشتعلة على مدى تاريخ البشرية، وأتحفتنا بملاحم أسطورية، أثرت الفن العسكري وزينته، ولا زلنا نتعلم منها حتى اليوم... كاكاميلا، كاناي، اليرموك...

 

هل هناك مكان بعد للذكاء؟؟!!

ولكن، رغم ذلك فلا بد من إفساح المجال أمام قوة العقل التي تتحفز باستمرار في ذهن القائد، عندما يكون على أبواب المجهول... عندما يواجه الموت، وتستيقظ لديه نوازع حب البقاء، وإلا فأي معنى لنظريات الحرب والعلم العسكري... أي قيمة لؤلائك القادة الملهمين الذين علمونا فنون الحرب وأساليب القتال، وكيف تحسم المعارك وتكسب الحروب...

 

 

إبرازات

[ظلت الحرب على مر التاريخ، الميدان الواسع لتفتق وتصارع العبقريات العسكرية التي كان الذكاء عنوانها، رغم أن كلاوزفيتز يبادرنا، قبل أن نتيه في مجاهيل التحليل الرياضي المعقد بالقول إن الحرب هي مجرد "أداة"... من أدوات السياسة، والأداة بطبيعتها صماء، محايدة، مفعول بها، فهي لا تحمل أي معنى من معاني الذكاء]

 

[هناك قادة عظام، يظهرون من حين لآخر، ليقتحموا مسرح الحرب، ويغيروا مجرى التاريخ، ويعيدون رسم خارطة العالم... لقد بنوا حضارات وهدموا أخرى... فقط لأنهم فهموا كيف يخوضون الحرب، ويوجهون الأحداث، بفضل قدرتهم الخارقة على استغلال لحظة ذكاء استثنائية...]