In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

Powered by RS Web Solutions

إعلانــــــــات

الأمير بكار ولد سويد احمد

الحلقة السابعة

 

في الحلقة الماضية

 

 [طالعنا في الحلقة الماضية كيف أن الأمير بكار كان يدرك أهمية مواكبة المساعي الدبلوماسية للعمليات العسكرية، حيث شكلت المفاوضات مع الفرنسيين في بعض الأحيان، غطاء سياسيا للعمليات العسكرية، وهو ما أدركه كوبولاني متأخرا وبمرارة كبيرة بعد الهزيمة التي تعرض لها الرتل الفرنسي في دركل..

لم تتوقف جهود بكار السياسية ومساعيه الدبلوماسية، خلال سنة 1904 لحشد القبائل والمجموعات في آدرار ولبراكنه والترارزه، لتشكيل حلف قوي لمواجهة الفرنسيين، وقد كان مدعوما في ذلك بمراسلات الشيخ ماء العينين إلى هؤلاء الأمراء.

 وقد دفعت هذه المساعي الفرنسيين إلى الاعتقاد بأن جبهة موسعة، مناوئة لهم هي في طور التشكل، وأن هناك فعلا ما يجمع الموريتانيين من الترارزه إلى آدرار وتيرس مرورا بتگانت، وهو مناهضة الاستعمار، فكان لا بد من سلاح فعال لإجهاض هذا الحلف، فكانت سياسة فرق تسد...]

 

   كان من أهم الأساليب التي اعتمدها الفرنسيون في مرحلة التمهيد للغزو المسلح هو الترويج للتفرقة وتعميق الانقسامات، بين المكونات الاجتماعية القائمة، بل وحتى بين مكونات المجموعة الواحدة، بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي، وإعادة بنائه طبقا لمصلحتهم. 

وقد استحوذ هذا الأمر على اهتمام مبعوث الفرنسيين وترجمانهم، محمدن ولد ابن المقداد الملقب دودو سك خلال إقامته في تگانت، حيث ركز في الجزء الأكبر من تقريره إلى الإدارة الاستعمارية عن هذه المأمورية على "ذكر الخلافات والانشقاقات داخل المجموعة الإيدوعيشية، وفي صفوف أهل سيدي محمود، ثم على الحروب (التي وقعت والتي قد تقع) بين إمارتي آدرار وإدوعيش، ودور تلك النزاعات الداخلية والحروب في عرقلة مشاريع الأمير بكار بن أسويد أحمد  ضد الفرنسيين..."[1].

لكن ولد ابن المقداد يبدو أكثر صراحة في الإفصاح عن النوايا الفرنسية للتفرقة بين المجموعات المستهدفة، حيث يضيف:"إن دعمنا المعنوي الذي كفى وحده لتنصيب أحمد سالم أميرا على الترارزه، كفيل بأن يحقق له[المختار ولد المختار] النصر يوما ما على أعدائه أبكاك..."[2].

لقد كانت المعلومات المتحصلة من خلال الاحتكاك بالموريتانيين، تحت دعاوى الرحلات الاستكشافية والمفاوضات التجارية على درجة كبيرة من الأهمية، خاصة من الناحية العسكرية بالنسبة للفرنسيين، فقد شكلت هذه "المعلومات (حربة) ترسانة السلاح التي سيحارب بها الفرنسيون إدوعيش"[3]، وكان هؤلاء المبعوثون حريصين على انتزاع هذه المعلومات بالهدايا والإكراميات أحيانا، وبالمكر أحيانا أخرى[4]، نظرا لأهمية هذه المعلومات في تحليل احتمالات السلم والحرب، ودفع الأمور في الاتجاه الذي يخدم المصالح الفرنسية"...إن الحرب الداخلية[كان الفرنسيون يتمنون حدوث هذه الحرب الداخلية] التي تهدد أبكاك لن تسمح على ما يبدو لبكار بتنفيذ مشروعه بالثأر منا(يقول ولد ابن المقداد في نص الاتفاقية الآنفة الذكر)."[5].

ويبدو أن سياسة "فرق تسد"، كانت على مدى القرن التاسع عشر أداة الفرنسيين في التأثير على المشهد الداخلي الموريتاني المنقسم أصلا، والموزع بين إمارات ومشيخات مستقلة عن بعضها، حيث "واصل الفرنسيون طوال القرن التاسع عشر تدخلهم ـ السافر أو المقنع ـ في الشؤون الداخلية للأمارات [....] خاصة الترارزه والبراكنه وإيدوعيش، داعمين طرفا ضد آخر، ومشجعين بؤر التوتر والشقاق، تمهيدا لبسط سيادتهم على هذه الرقعة الجغرافية الرابطة بين الجزائر والسنغال، أهم مستعمرتين فرنسيتين في المنطقة."[6].

 

 

 

فشل سياسة فرق تسد

 

ولكن، رغم هذه المساعي التي تعزف على وتر الانقسامات السياسية والاجتماعية في المجتمع التقليدي الموريتاني، إلا أن الوحدة العقدية والثقافية التي ظلت صامدة في وجه العواصف السياسية والعسكرية، شكلت على مدى القرن التاسع عشر صخرة صلبة، تحطمت عليها كل محاولات الاختراق والتجزئة.

ومع مطلع القرن العشرين، كان المجال الموريتاني ما يزال متمنعا في وجه الفرنسيين، بفضل عناصر المناعة الداخلية التي حصنته، ف "كان لا بد لسياسة التفرقة المتبعة من طرف كوبولاني أن تفشل أمام الكتلة التي شكلها أعداؤنا (يقول النقيب غاستون دوفور)."[7]، ذلك أن"المفاوضات السرية عن طريق المراسلة أو إيفاد الرسل، كما فعل كوبولاني مع إيدوعيش وقبائل آدرار، لم تأت بنتيجة، كما لم تنجح سياسة التفكيك هذه المرة"[8].

وفي مقابل محاولات الفرنسيين اختراق الجبهة الداخلية الموريتانية، وزرع بذور الفتنة والشقاق، تعززت اللحمة الداخلية بين مكونات العديد من المجموعات المحلية[9]، وظهرت مساعي لم الشمل والوحدة في وجه التهديد الفرنسي الوشيك باجتياح الأراضي الموريتانية، وكان على رأس الساعين إلى ذلك المجاهد الكبير الشيخ ماء العينين ولد الشيخ محمد فاضل، الذي انتدب ابنه المجاهد حسنا[10] في مطلع العام 1905 إلى الأمير بكار لتنسيق عمل المقاومة المسلحة[11].

 

 

 

 

 

 

كوبولاني يعتمد الحرب النفسية..

 

   أمام هذا الواقع الممانع، لجأ مهندس السياسة الاستعمارية الفرنسية في موريتانيا إلى اعتماد سياسة "العصا والجزرة". فقد زعم الرجل من خلال "بيانه السياسي" المتضمن في مراسلاته إلى العديد من أعيان وشيوخ البلاد، أنه موكل بإشاعة الأمن والاستقرار، والقضاء على الفوضى والحروب، وتشجيع التجارة والزراعة وحفر الآبار وتنصيب القضاة، لكنه لم ينس لحظة أن يتوعد كل من يقف في وجهه، فقد جمع كوبولاني جيشا يزيد على الألف مقاتل لدعم "توغله السلمي"، وأخذ يطلق الوعد والوعيد، مستخدما أساليب الترغيب والتهديد في إطار حرب نفسية غير معلنة، ممهدا بذلك الطريق أمام مواجهة وشيكة...

 

...يتواصل



[1]ـ محمدو بن محمدن، وثائق من التاريخ الموريتاني، مرجع سابق ـ  ص ص 101ـ 118- 119

[2]ـ محمدو بن محمدن، المرجع السابق ـ  ص ص 101ـ 139

ـ الشيخ سيدي بابه ولد الشيخ  سيديا- إمارتا إدوعيش  ومشظوف، مرجع سابق ـ  ص59 [3]

ـ محمدو بن محمدن، وثائق من التاريخ الموريتاني، مرجع سابق ـ  ص 101ـ 143[4]

ـ محمدو بن محمدن ، المرجع السابق ـ  ص 145[5]

ـ محمدو بن محمدن، المجتمع البيظاني، مرجع سابق ـ  ص 222[6]

ـ النقيب غاستون دوفور ، مرجع سابق ـ  ص80[7]

ـ محمد سعيد ولد همدي نقلا عن الرائد جيليى، مرجع سابق [8]

[9] ـ أشار بيير آميل هات إلى هذا الأمر بوضوح، في الصفحة 57 من كتابه PETITE CHRONIQUE DES ID OU AICH، عندما ذكر أن مائة سنة من المساعي لم تكن كافية للم شمل مجموعة ايدوعيش، ليتحقق ذلك فجأة، في ظل خطر الاجتياح الفرنسي للأراضي الموريتانية  

[10]  الشيخ حسنا هو الإبن البكر للشيخ ما العينين وأحد قادة جيشه، خاصة في مواجهة الفرنسيين في آدرار وتگانت؛ وهو دفين فاس.

ـ محمد سعيد ولد همدي، مرجع سابق ـ ص 32[11]